ابن عربي

88

فصوص الحكم

يظهر بصورة الكافر ومن يظهر بصورة المؤمن ، لأن لله نوعين من الصفات : صفات الجمال وصفات الجلال . فللعصاة والكفار ونحوهم أربابُهم كالجبار والقهار والمضل والمعذب وهي ظاهرة فيهم . وللطائعين والمؤمنين ونحوهم أربابهم كالهادي والرحيم والودود وهي ظاهرة فيهم . يجب إذن أن نفرّق بين كون العبد مرضياً عند ربه ، وكونه مرضياً في نظر الدين أو الأخلاق ، لأنه يكفي في الرضا الأول أن يكون فعل العبد مظهراً من المظاهر التي يتحقق فيها معنى اسم من الأسماء الإلهية مهما كان ذلك الفعل . ويلزم للرضا الثاني أن يأتي فعل العبد مطابقاً لأمر من أمور الدين أو قانون من قوانين الأخلاق . ولا تناقض بين الاثنين في رأي المؤلف : أي لا تناقض بين أن يكون العاصي مرضياً عند ربه الخاص وغير مرضي عنه في نظر الدين أو العرف أو الأخلاق . وقد شرحنا وجهاً من وجوه هذه النظرية في كلامنا عن نظرية ابن عربي في جبرية الأفعال وما ذكره عن الأمر التكويني والأمر التكليفي ( الفص الخامس التعليق السابع ) وسيأتي تفصيل ذلك في الفص السابع عشر . ومن ناحية أخرى لا تعارض بين أن يكون العبد مرضياً عند ربّ من الأرباب غير مرضي عند ربّ آخر ، لأن كل موجود يأخذ مربوبيته من الكل الأسمائي بحسب ما يناسبه ويلائم طبيعته واستعداده . ولذلك تظهر الأسماء الإلهية في الموجودات بحسب ما تقتضيه طبيعة أعيان الموجودات ذاتها . ( 5 ) « ولهذا منع أهل الله التجلي في الأحدية » . كل ما هو موجود في عالم الظواهر إنما هو مجلى أو مظهر للواحد الحق : أي هو صورة جزئية للكل المطلق . ولذا لا يقال في أي موجود إنه الحق إطلاقاً وإنما يقال إن الحق تجلى فيه في صورة من صوره التي لا تحصى . أما الأحدية الذاتية فلا يقع فيها التجلي أبداً : أي أن الحق لا يظهر بأحديته في أي شيء . بل إن من التناقض أن تقول إنني شاهدت الحق في أحديته ، لأن المشاهدة نسبة بين طرفين : مشاهِد